محمد أبو زهرة
2196
زهرة التفاسير
قوله تعالى : وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ . وهي تفيد الشك في اختياره عليه الصلاة والسلام الحكم بينهم لأنهم ليسوا طلاب حق وإنصاف بل يريدون الحكم كما يهوون ، والدليل على أن اليهود ليسوا طلاب حق أن التوراة التي بأيديهم فيها الحكم صريح في الموضوع الذي تحاكموا فيه . وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ الاستفهام هنا للتعجب واستنكار حالهم ، أي أن حالهم حال مستنكرة . عندهم النص الصريح في القضية التي يتحاكمون فيها ، ومع ذلك يلتمسون الحكم في غير ما عندهم رجاء أن يكون على ما يهوون ويبتغون ، وإن كان غير ما يؤمنون فهم ممن اتخذ إلهه هواه ، وممن يريدون أن يتبع الحق أهواءهم ، لا أن تكون أهواؤهم تابعة للحق تسير في مداره ، ولا تخرج عن إطاره ، والتعجب والاستنكار يتجهان إلى أمرين : أولهما - أنهم يتحاكمون إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع أن الحكم عندهم في التوراة صريح لا مجال للريب ، فلما ذا يعدلون عن تنفيذ ما عندهم إلى طلب شئ عند النبي عليه الصلاة والسلام ، إلا أن يكونوا مؤمنين بصدق ما جاء به ، وذلك لم يكن منهم . والأمر التالي - الذي هو موضوع الاستنكار والعجب أنهم يطلبون من النبي عليه الصلاة والسلام ، ثم يعرضون من بعد بيانه لهم . فهم متناقضون في جملة أحوالهم يطلبون الحكم ممن لا يؤمنون بدعوته ، مع أن الحكم صريح فيما يؤمنون ثم يعرضون عن الحكم الذي يتلاءم مع ما عندهم . ويلاحظ أن القرآن الكريم يقرر أن التوراة فيها حكم الله في المسألة التي يختصمون إلى النبي عليه الصلاة والسلام في أمرها ، فهي تصديق للتوراة في تلك الجزئية ، وهي إقامة حد الزنى دون غيرها ، فليس لأحد أن يحتج بأن القرآن يقر أحكام التوراة التي كانت بأيدي اليهود في عصر النبي عليه الصلاة والسلام والتي بأيديهم في هذه الأيام ، فإن تصديق ما بأيديهم في جزئية من الجزئيات لا يقتضى